الشيخ محمد رشيد رضا
214
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا تقاتلوا إلا حيث يغلب على ظنكم النصر وعدم الهزيمة . وهذا لا معنى إذ لا يلتئم مع ما سبقه ، وقال بعضهم انه نهي عن الاسراف ولا يلتئم مع الأسلوب قبله وبعده ، وإنما الذي يلتئم ويناسب هو ما قاله الجلال وآخرون ، فالمعنى إذا لم تعذلوا في سبيل اللّه وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال واستعداد فقد أهلكتم أنفسكم : وفي أسباب النزول عن أبي أيوب الأنصاري قال نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، لما أعز اللّه الاسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا ان أموالنا قد ضاعت ، وان اللّه قد أعز الاسلام فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل اللّه يرد علينا ما قلنا « وَأَنْفِقُوا » الآية فكانت التهلكة الإقامة على الأموال واصلاحها وتركنا الغزو : رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وغيرهم . وروي أنه قاله لما خاطر رجل من المسلمين في القسطنطينية فدخل في صف الروم فقال الناس ألقى بيديه إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب أيها الناس انكم تؤولون هذه الآية وذكره . أقول وبيانه أن المشركين كانوا بالمرصاد للمؤمنين وهم كثيرون فلو انصرفوا عن الاستعداد للجهاد إلى تثمير الأموال لاغتالوهم . واصلاح الأموال واستثمارها في هذا الزمان هو أساس القوة ، فقوى الدول على قدر ثروتها ، فالأمة التي تقصر في توفير الثروة هي التي تلقي بأيديها إلى التهلكة ، والتي تقصر في الانفاق في سبيل اللّه للاستعداد لقتال من يعتدي عليها تكون أدنى إلى التهلكة ولا ثروة مع الظلم ، ولا عدل مع الحكم المطلق الاستبدادى . ثم قال تعالى وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الامر بالاحسان على عمومه أي أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها فلا تهملوا اتقان شيء منها ، ويدخل فيه التطوع بالانفاق وقد زعم بعض المفسرين ان هذه الآية منسوخة بآية سورة براءة ( التوبة ) التي يسمونها آية السيف . وهاك ما قاله الأستاذ الامام : محصل تفسير الآيات ينطبق على ما ورد من سبب نزولها وهو إباحة القتال للمسلمين في الاحرام بالبلد